أحمد بن محمد القسطلاني

454

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

الحصيب أوصى بأن يجعل في قبره جريدتان ، محمول على أن ذلك رأي له لم يوافقه أحد من الصحابة عليه ، أو : أن المعنى فيه أنه يسبح ما دام رطبًا ، فيحصل التخفيف ببركة التسبيح ، وحينئذ فيطرد في كل ما فيه رطوبة من الرياحين والبقول وغيرها ، وليس لليابس تسبيح ، قال تعالى : { وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ } [ الإسراء : 44 ] أي : شيء حي ، وحياة كل شيء بحسبه ، فالخشب ما لم ييبس ، والحجر ما لم يقطع من معدنه ، والجمهور أنه على حقيقته ، وهو قول المحققين ، إذ العقل لا يحيله أو : بلسان الحال باعتبار دلالته على الصانع ، وأنه منزه . وسبق في باب : من الكبائر أن لا يستتر من بوله من الوضوء ، مزيد لما ذكرته هنا . 83 - باب مَوْعِظَةِ الْمُحَدِّثِ عِنْدَ الْقَبْرِ ، وَقُعُودِ أَصْحَابِهِ حَوْلَهُ { يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ } : الأَجْدَاثُ الْقُبُورُ . { بُعْثِرَتْ } : أُثِيرَتْ : بَعْثَرْتُ حَوْضِي : أَىْ جَعَلْتُ أَسْفَلَهُ أَعْلاَهُ . الإِيفَاضُ : الإِسْرَاعُ . وَقَرَأَ الأَعْمَشُ { إِلَى نَصْبٍ } : إِلَى شَىْءٍ مَنْصُوبٍ يَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ . وَالنُّصْبُ وَاحِدٌ ، وَالنَّصْبُ مَصْدَرٌ . يَوْمُ الْخُرُوجِ مِنَ الْقُبُورِ { يَنْسِلُونَ } : يَخْرُجُونَ . ( باب موعظة المحدث عند القبر ) الموعظة مصدر ميمي ، والوعظ : النصح والإنذار بالعواقب ( و ) باب ( قعود أصحابه ) أي أصحاب المحدث ( حوله ) عند القبر لسماع الموعظة والتذكير بالموت وأحوال الآخرة . وهذا مع ما ينضم إليه من مشاهدة القبور ، وتذكر أصحابها ، وما كانوا عليه ، وما صاروا إليه من أنفع الأشياء لجلاء القلوب ، وينفع الميت أيضًا لما فيه من نزول الرحمة عند قراءة القرآن والذكر . قال ابن المنير : لو فطن أهل مصر لترجمة البخاري هذه لقرت أعينهم بما يتعاطونه من جلوس الوعاظ في المقابر ، وهو حسن ، إن لم يخالطه مفسدة . اه - . وقد استطرد المؤلّف بعد الترجمة بذكر تفسير بعض ألفاظ من القرآن مناسبة لما ترجم له على عادته ، تكثيرًا لفرائد الفوائد ، فقال في قوله تعالى : ( { يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ } ) [ المعارج : 43 ] ( الأجداث ) معناه ، فيما وصله ابن أبي حاتم وغيره من طريق قتادة والسدي : ( القبور ) وقوله تعالى : { وَإِذَا الْقُبُورُ ( بُعْثِرَتْ ) } [ الانفطار : 4 ] معناه : ( أثيرت ) بالمثلثة بعد الهمزة المضمومة ، من الإثارة يقال : ( بعثرت حوضي أي : جعلت أسفل أعلاه ) قاله أبو عبيدة في المجاز ، وقال السديّ ، مما رواه ابن أبي حاتم : بعثرت : حركت فخرج ما فيها من الأموات ، وعن ابن عباس ، فيما ذكره الطبراني : بعثرت : بحثت . وقوله تعالى : { كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ } [ المعارج : 43 ] ( الايفاض ) بهمزة مكسورة ومثناة تحتية ساكنة وفاء ثم ضاد معجمة ، مصدر من : أوفض يوفض ، إيفاضًا معناه : ( الإسراع ) قال أبو عبيد : يوفضون ، أي : يسرعون ( وقرأ الأعمش ) سلمان بن مهران موافقة لباقي القراء ، إلا ابن عامر وحفصًا ( إلى نصب ) بفتح النون وسكون الصاد ، وفي نسخة زيادة { يُوفِضُونَ } [ المعارج : 43 ] ولأبي ذر : إلى نصب بضم النون وسكون الصاد بالجمع ، والأول أصح عن الأعمش : ( إلى شيء منصوب ) قال أبو عبيدة : العلم الذي نصبوه ليعبدوه ( يستبقون إليه ) أيهم يستلمه أول ( والنصب ) بضم النون وسكون الصاد ( واحد ، والنصب ) بالفتح ثم السكون ( مصدر ) قال في فتح الباري : كذا وقع ، والذي في المغازي للفراء : النصب والنصب واحد وهو مصدر ، والجمع الأنصاب . فكان التغيير من بعض النقلة . اه - . وتعقبه العيني فقال : لا تغيير فيه لأن البخاري فرق بين الاسم والمصدر ، ولكن من قصرت يده عن علم الصرف لا يفرق بين الاسم والمصدر في مجيئهما على لفظ واحد . اه - . والأنصاب : حجارة كانت حول الكعبة تنصب ، فيهل عليها ويذبح لغير الله . وقوله تعالى : { ذَلِكَ ( يَوْمُ الْخُرُوجِ ) } [ ق : 42 ] أي : خروج أهل القبور ( من قبورهم ) وقوله تعالى : ( { يَنْسِلُونَ } ) [ الأنبياء : 96 ويس : 51 ] أي : ( يخرجون ) زاد الزجاج بسرعة . 1362 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ حَدَّثَنِي جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَلِيٍّ - رضي الله عنه - قَالَ : " كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ ، فَأَتَانَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَعَدَ ، وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ . فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ ، ثُمَّ قَالَ : مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلاَّ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، وَإِلاَّ قَدْ كُتِبَ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً . فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفَلاَ نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ ؟ قَالَ : أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ . ثُمَّ قَرَأَ { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى } الآيَةَ " . [ الحديث 1362 - أطرافه في : 4945 ، 4946 ، 4947 ، 4948 ، 4949 ، 6217 ، 6605 ، 7552 ] . وبالسند قال : ( حدّثنا ) بالجمع ، ولأبي ذر : حدّثني بالإفراد ( عثمان ) بن محمد بن أبي شيبة الكوفي ، أحد الحفاظ الكبار ، وثقه يحيى بن معين وغيره ، وذكر الدارقطني في كتاب التصحيف أشياء كثيرة صحفها من القرآن في تفسيره ، لأنه ما كان يحفظ القرآن ( قال : حدَّثني ) بالإفراد ، ولأبي ذر : حدّثنا ، بالجمع ( جرير ) هو : ابن عبد الحميد الضبي ( عن منصور ) هو : ابن المعتمر ( عن سعد بن عبيدة ) بسكون العين في الأول ، وضمها وفتح الموحدة آخره ، هاء تأنيث مصغرًا في الثاني ( عن أبي عبد الرحمن ) عبد الله بن حبيب ، بفتح الحاء المهملة ، السلمي ( عن علي ) هو : ابن أبي طالب ( رضي الله عنه ، قال ) : ( كنا في جنازة في بقيع الغرقد ) بفتح الموحدة وكسر القاف ، والغرقد بفتح الغين المعجمة والقاف بينهما راء ساكنة آخره دال مهملة ، ما عظم من شجر العوسج ، كان ينبت فيه ، فذهب الشجر وبقي الاسم لازمًا للمكان . وهو مدفن أهل المدينة ،